فصل: تفسير الآيات (41- 42):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآية رقم (40):

{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)}
{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله} أي إن لم تنصُروه فسينصُره الله الذي قد نصره في وقت ضرورةٍ أشدَّ من هذه المرة، فحُذف الجزاءُ وأقيم سببُه مُقامَه أو إن لم تنصُروه فقد أوجب له النُصرة حتى نصره في مثل ذلك الوقت فلن يخذُله في غيره {إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ} أي تسببوا لخروجه حيث أُذن له عليه الصلاة والسلام في ذلك حين همّوا بإخراجه {ثَانِيَ اثنين} حالٌ من ضميره عليه الصلاة والسلام، وقرئ بسكون الياء على لغة من يُجري الناقصَ مُجرى المقصور في الإعراب، أي أحدَ اثنين من غير اعتبار كونِه عليه الصلاة والسلام ثانياً فإن معنى قولِهم: ثالثُ ثلاثةٍ ورابعُ أربعةٍ ونحوُ ذلك أحدُ هذه الأعدادِ مطلقاً لا الثالثُ والرابعُ خاصة، ولذلك منع الجمهورُ أن يُنصَبَ ما بعده بأن يقال: ثالثٌ ثلاثةً ورابعٌ أربعةً، وقد مر في قوله تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله ثالث ثلاثة} من سورة المائدة وجعلُه عليه الصلاة والسلام ثانيَهما لمشي الصديقِ أمامَه ودخولِه في الغار أولاً لكنسه وتسويةِ البِساط له كما ذكر في الأخبار تمحّلٌ مُستغنىً عنه {إِذْ هُمَا فِي الغار} بدلٌ من إذ أخرجه بدلَ البعضِ إذ المرادُ به زمانٌ متسعٌ والغارُ ثقبٌ في أعلى ثوْرٍ وهو جبلٌ في يمنى مكةَ على مسيرة ساعةٍ مكثاً فيه ثلاثاً.
{إِذْ يَقُولُ} بدلٌ ثانٍ أو ظرفٌ لثانيَ {لِصَاحِبِهِ} أي الصدّيق {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا} بالعون والعصمةِ والمرادُ بالمعية الولايةُ الدائمةُ التي لا تحوم حول صاحبِها شائبةُ شيءٍ من الحزن، وما هو المشهورُ من اختصاص مَعَ بالمتبوع فالمرادُ بما فيه من المتبوعية في الأمر المباشر، روي أن المشركين لما طلعوا فوق الغار فأشفق أبو بكر رضى الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنْ نُصَبْ اليومَ ذهب دينُ الله فقال عليه الصلاة والسلام: «ما ظنُّك باثنين الله ثالثُهما؟» وقيل: «لما دخلا الغارَ بعث الله تعالى حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوتَ فنسَجت عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أعمِ أبصارَهم فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطَنون قد أخذ الله تعالى أبصارهم عنه»، وفيه من الدِلالة على علو طبقةِ الصّدّيق رضي الله عنه وسابقةِ صُحبتِه ما لا يخفى، ولذلك قالوا: من أنكر صُحبةَ أبي بكر رضى الله عنه فقد كفر لإنكاره كلامَ الله سبحانه وتعالى {فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ} أمَنتَه التي تسكُن عندها القلوب {عَلَيْهِ} على النبي صلى الله عليه وسلم فالمرادُ بها ما لا يحوم حوله شائبةُ الخوفِ أصلاً أو على صاحبه إذ هو المنزعِج، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان على طُمَأْنينة من أمره {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} عطفٌ على نصره الله والجنودُ هم الملائكةُ النازلون يوم بدرٍ والأحزابِ وحُنينٍ، وقيل: هم الملائكةُ أنزلهم الله ليحرِسوه في الغار ويأباه وصفُهم بعدم رؤيةِ المخاطَبين لهم وقوله عز وعلا: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى} يعني الشركَ أو دعوةَ الكفرِ فإن ذلك الجعلَ لا يتحقق بمجرد الأنجاءِ بالقتل والأسر ونحو ذلك {وَكَلِمَةُ الله} أي التوحيدُ أو دعوةُ الإسلام {هِىَ العليا} لا يدانيها شيءٌ، وتغييرُ الأسلوب للدِلالة على أنها في نفسها كذلك لا يتبدل شأنُها ولا يتغيرُ حالُها دون غيرِها من الكلم ولذلك وُسِّط ضميرُ الفصلِ، وقرئ بالنصب عطفاً على كلمة الذين {والله عَزِيزٌ} لا يغالب {حَكِيمٌ} في حكمه وتدبيره.

.تفسير الآيات (41- 42):

{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42)}
{انفروا} تجريدٌ للأمر بالنفور بعد التوبيخِ على تركه الأنكار على المساهلة فيه وقوله تعالى: {خِفَافًا وَثِقَالاً} حالان من ضمير المخاطبين أي على أيّ حالٍ كان من يُسر وعُسر حاصلَين بأي سببٍ كان من الصِحة والمرض، أو الغِنى والفقر، وقلةِ العيال وكثرتِهم أو غير ذلك مما ينتظمه مساعدةُ الأسباب وعدمُها بعد الإمكان والقدرةِ في الجملة، وما ذكر في تفسيرهما من قولهم: خفافاً لقلة عيالِكم وثقالاً لكثرتها أو خِفافاً من السلاح وثِقالاً منه أو رُكباناً ومُشاةً أو شباناً وشيوخاً أو مهازيلَ وسِماناً أو صِحاحاً ومِراضاً ليس لتخصيص الأمرَين المتقابلَين بالإرادة من غير مقارنةٍ للباقي وعن ابن أمّ مكتومٍ أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعليّ أن أنفِر؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم حتى نزل {لَّيْسَ عَلَى الاعمى حَرَجٌ}» وعن ابن عباس رضي الله عنهما نسخت بقوله عز وجل: {لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى} الآية {وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ الله} إيجابٌ للجهاد بهما إن أمكن وبأحدهما عند إمكانِه وإعوازِ الآخَر، حتى إن من ساعده النفسُ والمالُ يجاهدُ بهما ومن ساعده المالُ دون النفسِ يغزو مكانَه مَنْ حالُه على عكس حالِه. إلى هذا ذهب كثيرٌ من العلماء وقيل: هو إيجابٌ للقسم الأول فقط {ذلكم} أي ما ذكر من النفير والجهادِ، وما في اسم الإشارةِ من معنى البعدِ للإيذان ببعد منزلِته في الشرف {خَيْرٌ لَّكُمْ} أي خيرٌ عظيمٌ في نفسه أو خبر مما يبتغى بتركه من الراحة والدعةِ وسَعةِ العيشِ والتمتع بالأموال والأولاد {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي تعلمون الخيرَ علمتم أنه خيرٌ أو إن كنتم تعلمون أنه خيرٌ إذ لا احتمال لغير الصدقِ في أخبار الله تعالى فبادروا إليه.
{لَّوْ كَانَ} صرفٌ للخطاب عنهم وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعديداً لما صدَر عنهم من الهَنات قولاً وفعلاً على طريق المباثةِ وبياناً لدناءة هممِهم وسائرِ رذائلِهم أي لو كان ما دعَوا إليه {عَرَضًا قَرِيبًا} العرَضُ ما عرَض لك من منافعِ الدنيا أي لو كان ذلك غُنماً سَهلَ المأخذِ قريبَ المنال {وَسَفَرًا قَاصِدًا} ذا قصدٍ بين القريبِ والبعيد {لاَّتَّبَعُوكَ} في النفير طمعاً في الفوز بالغنيمة، وتعليقُ الاتباعِ بكلا الأمرين يدل على عدم تحققِه عند توسّط السفرِ فقط {ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة} أي المسافةُ الشاطّةُ التي تُقطع بمشقة وقرئ بكسر العين والشين {وَسَيَحْلِفُونَ} أي المتخلفون عن الغزو وقوله تعالى: {بالله} إما متعلقٌ بسيحلفون أو هو من جملة كلامِهم والقولُ مرادٌ على الوجهين أي سيحلفون بالله اعتذاراً عند قفولك قائلين: {لَوِ استطعنا} أو سيحلِفون قائلين: بالله لو استطعنا الخ، أي ولو كان لنا استطاعةٌ من جهة الصحةِ أو من جهتهما جميعاً حسبما عنّ لهم من الكذب والتعللِ، وعلى كلا التقديرين فقوله تعالى: {لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} سادٌّ مسدَّ جوابي القسمِ والشرط جميعاً.
أما على الثاني فظاهرٌ وأما على الأول فلأن قولَهم: لو استطعنا في قوة بالله لو استطعنا لأنه بيانٌ لقوله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بالله} وتصديقٌ له، والإخبارُ بما سيكون منهم بعد القُفولِ وقد وقع حسبما أُخبر به من جملة المعجزات الباهرة، وقرئ {لو استطعنا} بضم الواو تشبيهاً لها بواو الجمع كما في قوله عز وجل: {فَتَمَنَّوُاْ الموت} {يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ} بدلٌ من سيحلفون لأن الحلِفَ الكاذبَ إهلاكٌ للنفس ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «اليمينُ الفاجرةُ تدع الديارَ بلاقِعَ» أو حالٌ من فاعله أي مهلِكين أنفسَهم أو من فاعل خرَجْنا، جيء به على طريقة الإخبارِ عنهم كأنه قيل: نهلك أنفسَنا أي لخرَجْنا معكم مهلِكين أنفسَنا كما في قولك: حلَف ليفعلن مكان لأفعلن {والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون} أي في مضمون الشرطيةِ وفيما ادّعَوا ضمناً من انتفاء تحققِ المقدم حيث كانوا مستطيعين للخروج ولم يخرجوا.

.تفسير الآية رقم (43):

{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)}
{عَفَا الله عَنكَ} صريحٌ في أنه سبحانه وتعالى قد عفا عنه عليه الصلاة والسلام ما وقع منه عند استئذانِ المتخلفين في التخلف معتذرين بعدم الاستطاعةِ، وإذنُه كان اعتماداً على أَيْمانهم ومواثيقِهم لخلوها عن المزاحِم من ترك الأولى والأفضلِ الذي هو التأنّي والتوقفُ إلى انجلاء الأمرِ وانكشافِ الحالِ، وقولُه عز وجل: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} أي لأي سببٍ أذِنْتَ لهم في التخلف حين اعتلّوا بعللهم بيانٌ لما أشير إليه بالعفو من ترك الأولى وإشارةٌ إلى أنه ينبغي أن تكون أمورُه عليه الصلاة والسلام منوطةً بأسباب قويةٍ موجبةٍ لها أو مصححةٍ وأن ما أبرزوه في معرض التعلل والاعتذارِ مشفوعاً بالأيمان كان بمعزل من كونه سبباً للإذن قبل ظهورِ صدقِه، وكلتا اللامَين متعلقةٌ بالإذن لاختلافهما في المعنى فإن الأولى للتعليل والثانيةُ للتبليغ، والضميرُ المجرورُ لجميع المستأذِنين، وتوجهُ الإنكار إلى الإذن باعتبار شمولِه للكل لا باعتبار تعلّقِه بكل فردٍ لتحقق عدمِ استطاعةِ بعضِهم كما ينبىء عنه قوله سبحانه: {حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ} أي فيما أَخبروا به عند الاعتذارِ من عدم الاستطاعةِ من جهة المالِ أو من جهة البدن أو من جهتهما معاً حسبما عنّ لهم هناك.
{وَتَعْلَمَ الكاذبين} في ذلك فتعامِلَ كلاًّ من الفريقين بما يستحقه وهو بيانٌ لذلك الأولى والأفضلِ، وتحضيضٌ له عليه الصلاة والسلام عليه، فإن كلمة حتى سواءٌ كانت بمعنى اللامِ أو بمعنى إلى لا يمكن تعلقُها بقوله تعالى: {لِمَ أَذِنتَ} لاستلزامه أن يكون إذنُه عليه الصلاة والسلام لهم معلّلاً أو مُغيّاً بالتبين والعلم ويكون توجُّهُ الاستفهامِ إليه من تلك الحيثيةِ وذلك بيِّنُ الفسادِ بل بما يدل عليه ذلك، كأنه قيل: لم سارعت إلى الإذن لهم وهلاّ تأنّيت حتى ينجليَ الأمر كما هو قضيةُ الحزْم.
قال قتادة وعمرو بنُ ميمون: اثنان فعلهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمَر فيهما بشيء: إذنُه للمنافقين وأخذهُ الفداءَ من الأُسارى فعاتبه الله تعالى كما تسمعون. وتغييرُ الأسلوب بأن عبّر عن الفريق الأولِ بالموصول الذي صلتُه فعلٌ دالٌّ على الحدوث وعن الفريق الثاني باسم الفاعلِ المفيدِ للدوام للإيذان بأن ما ظهر من الأوّلين صدقٌ حادثٌ في أمر خاص غيرُ مصحِّحٍ لنظمهم في سلك الصادقين، وأن ما صدر من الآخَرين وإن كان كذباً حادثاً متعلقاً بأمر خاص لكنه أمرٌ جارٍ على عادتهم المستمرةِ ناشىءٌ عن رسوخهم في الكذب. والتعبيرُ عن ظهور الصدقِ بالتبين وعما يتعلق بالكذب بالعلم لما هو المشهورُ من أن مدلولَ الخبر هو الصدقُ والكذبُ احتمالٌ عقلي فظهورُ صدقِه إنما هو تبيّنُ ذلك المدلولِ وانقطاعُ احتمالِ نقيضِه بعد ما كان محتمِلاً له احتمالاً عقلياً وأما كذبُه فأمرٌ حادثٌ لا دِلالة للخبر عليه في الجملة حتى يكونَ ظهورُه تبيّناً له بل هو نقيضٌ لمدلوله فما يتعلق به يكون عِلْماً مستأنفاً، وإسنادُه إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لا إلى المعلومين ببناء الفعلِ للمفعول مع إسناد التبيّنِ إلى الأولين لما أن المقصودَ هاهنا علمُه عليه الصلاة والسلام بهم ومؤاخذتُهم بموجبه بخلاف الأولين حيث لا مؤاخذةَ عليهم ومن لم يتنبَّه لهذا قال: حتى يتبين لك مَنْ صدق في عذره ممن كذَب فيه، وإسنادُ التبيُّنِ إلى الأولين وتعليقُ العلمِ بالآخَرين مع أن مدارَ الإسنادِ والتعلقِ أو لا وبالذات هو وصفُ الصدقِ والكذب كما أشير إليه لما أن المقصِدَ هو العلمُ بكلا الفريقين باعتبار اتصافِهما بوصفهما المذكورَين ومعاملتِهما بحسب استحقاقِهما لا العلمُ بوصفيهما بذاتيهما أو باعتبار قيامِهما بموصوفيهما.
هذا وفي تصدير فاتحةِ الخطابِ ببشارة العفوِ دون ما يوهم العتابَ من مراعالاة جانبِه عليه الصلاة والسلام وتعهده بحسن المفاوضةِ ولُطفِ المراجعةِ ما لا يخفى على أولي الألباب. قال سفيانُ بن عيينة: انظرُ إلى هذا اللطفِ بدأ بالعفو قبل ذكر المعفوّ.
ولقد أخطأ وأساء الأدبَ وبئسما فعل فيما قال وكتب مَنْ زعم أن الكلام كنايةٌ عن الجناية وأن معناه أخطأتَ وبئسما فعلتَ. هبْ أنه كنايةٌ أليس إيثارُها على التصريح بالجناية للتلطيف في الخطاب والتخفيفِ في العتاب، وهب أن العفوَ مستلزِمٌ للخطأ فهل هو مستلزمٌ لكونه من القبح واستتباعِ اللائمة بحيث يصصِّح هذه المرتبةَ من المشافهة بالسوء أو يسوِّغُ إنشاءَ الاستقباحِ بكلمة بئسما المنبئةِ عن بلوغِ القبحِ إلى رتبة يتُعجَّب منها ولا يخفى أنه لم يكن في خروجهم مصلحةٌ للدين أو منفعةٌ للمسلمين بل كان فساداً وخَبالاً حسبما نطَق به قولُه عز وجل: {لَوْ خَرَجُواْ} الخ، وقد كرِهه سبحانه كما يفصح عنه قوله تعالى: {ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم} الآية. نعم كان الأولى تأخيرُ الإذن حتى يظهر كذبُهم آثرَ ذي أثيرٍ ويفتضحوا على رؤوس الأشهادِ ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعةِ ولا يتسنّى لهم الابتهاجُ فيما بينهم بأنهم غرُّوه عليه الصلاة والسلام وأرضَوْه بالأكاذيب على أنه لم يهنأ لهم عيشٌ ولا قرت لهم عينٌ إذ لم يكونوا على أمن واطمئنانٍ بل كانوا على خوف من ظهور أمرِهم وقد كان.

.تفسير الآية رقم (44):

{لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44)}
{لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر} تنبيهٌ على أنه كان ينبغي أن يُستدل باستئذانهم على حالهم ولا يُؤذَنَ لهم أي ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في {أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ} وإن الخُلَّصَ منهم يبادرون إليه من غير توقفٍ على الإذن فضلاً عن أن يستأذنوك في التخلف، وحيث استأذنك هؤلاء في التخلف كان ذلك مَئِنّةً للتأني في أمرهم بل دليلاً على نفاقهم، وقيل: المستأذَنُ فيه محذوفٌ ومعنى قوله تعالى: {أَن يجاهدوا} كراهةَ أن يجاهدوا ثم قيل: المحذوفُ هو التخلّفُ والمعنى لا يستأذنك المؤمنون في التخلف كراهةَ الجهاد، فيتوجّه النفيُ إلى القيد وبه يمتاز المؤمنُ من المنافق، وهو وإن كان في نفسه أمراً خفياً لا يوقف عليه بادىءَ الأمرِ لكن عامةَ أحوالِهم لما كانت مُنبئةً عن ذلك جُعل أمراً ظاهراً مقرراً وقيل: هو الجهادُ أي لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد كراهةَ أن يجاهدوا بناءً على أن الاستئذان في الجهاد ربما يكون لكراهتة ولا يخفى أن الاستئذان في الشيء لكراهته مما لا يقع بل لا يُعقل ولو سَلِم وقوعُه، فالاستئذانُ لعلة الكراهة مما لا يمتاز بحسب الظاهرِ من الاستئذان لعلة الرغبةِ ولو سلِم فالذي نُفيَ عن المؤمنين يجب أن يثبُتَ للمنافقين وظاهرٌ أنهم لم يستأذِنوا في الجهاد لكراهتهم له بل إنما استأذنوا في التخلف {والله عَلِيمٌ بالمتقين} شهادةٌ لهم بالانتظام في سلك المتقين وعِدَةٌ لهم بأجزل الثوابِ وتقريرٌ لمضمون ما سبق، كأنه قيل: والله عليم بأنهم كذلك وإشعارٌ بأن ما صدر عنهم معلَّلٌ بالتقوى.

.تفسير الآيات (45- 46):

{إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)}
{إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ} أي في التخلف مطلقاً على الأول أو لكراهة الجهادِ على الثاني {الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر} تخصيصُ الإيمان بهما في الموضعين للإيذان بأن الباعثَ على الجهاد ببذل النفسِ والمالِ إنما هو الإيمانُ بهما إذ به يتسنى للمؤمنين استبدالُ الحياةِ الأبدية والنعيمِ المقيمِ الخالدِ بالحياة الفانية والمتاعِ الكاسد {وارتابت قُلُوبُهُمْ} عطفٌ على الصلة، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدِلالة على تحقق الريب وتقرُّره {فَهُمُ} حالَ كونهم {فِى رَيْبِهِمْ} وشكِّهم المستقرِّ في قلوبهم {يَتَرَدَّدُونَ} أي يتحيرون فإن الترددَ ديدنُ المتحيَّرِ كما أن الثباتَ ديدنُ المستبصِر، والتعبيرُ عنه به مما لا يخفى حسنُ موقعِه {وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج} يدل على أن بعضَهم قالوا عند الاعتذارِ: كنا نريد الخروجَ لكن لم نتهيأ له، وقد قرُب الرحيلُ بحيث لا يمكننا الاستعدادُ، فقيل تكذيباً لهم: لو أرادوه {لاعَدُّواْ لَهُ} أي للخروج في وقته {عِدَّةَ} أي أُهبةً من العَتاد والراحلة والسلاح وغيرِ ذلك مما لابد منه للسفر، وقرئ {عُدَّه} بحذف التاءِ، والإضافةِ إلى ضمير الخروج كما فعل بالعِدَة مَنْ قال:
وأخلفوك عِدَ الأمرِ الذي وعَدوا

أي عِدتَه وقرئ {عِدّةً} بكسر العين وعِدَّهُ بالإضافة {ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم} أي نهوضَهم للخروج. قيل: هو استدراك عما يُفهم من مقدم الشرطيةِ فإن انتفاءَ إرادتِهم للخروج يستلزم انتفاءَ خروجِهم، وكراهةَ الله تعالى انبعاثَهم تستلزم تثبيطَهم عن الخروج، فكأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبَّطوا والاتفاق في المعنى لا يمنع الوقوعَ بين طرَفي لكنْ بعد تحققِ الاختلافِ نفياً وإثباتاً في اللفظ كقولك: ما أحسن إلى زيد ولكنْ أساء والأظهرُ أن يكون استدراكاً من نفس المقدم عن نهج ما في الأقيسة الاستثنائيةِ والمعنى لو أرادوا الخروجَ لأعدوا له عُدةً ولكن ما أرادوه لِما أنه تعالى كره انبعاثَهم لما فيه من المفاسد التي ستَبِين {فَثَبَّطَهُمْ} أي حبسهم بالجُبن والكسلِ فثبطوا عنه ولم يستدعوا له {وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين} تمثيلٌ لإلقاء الله تعالى كراهةَ الخروجِ في قلوبهم أو لوسوسة الشيطانِ بالأمر بالقعود أو هو حكايةُ قولِ بعضِهم لبعض أي هو إذنُ الرسول صلى الله عليه وسلم لهم في القعود، والمرادُ بالقاعدين إما المعذورون أو غيرُهم، وأياً ما كان فغيرُ خالٍ عن الذم.